في ظل هدوء ليل قرية سنجل الفلسطينية، تحولت الحياة فجأة إلى كابوس، أصوات صراخ، زجاجات مولوتوف تحطم النوافذ، ونيران تلتهم المنازل والسيارات. وهذا المشهد لم يكن حدثًا عابرًا، بل جزء من موجة عنف ممنهجة شنها مستوطنون إسرائيليون ضد قرى الضفة الغربية، في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى بين إسرائيل وحركة “حماس” في قطاع غزة. ما الذي يدفع هؤلاء المستوطنين إلى تحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم؟ وكيف يتعايش السكان مع هذا الإرهاب اليومي؟
الهجمات الممنهجة
ومساء السبت، الماضي كانت سندس الفقها (37 عامًا) تشاهد الأخبار في منزلها بقرية سنجل، عندما سمعت أصواتًا غريبة خارج المنزل. لم تكن تعلم بأن زجاجة مولوتوف ستتحطم قريبًا على نافذتها، لتشعل النيران في الأريكة والستائر. في لحظات الذعر، حاولت ابنتاها (12 و14 عامًا) إخماد الحريق باستخدام الماء والوسائد، قبل أن تتمكن العائلة أخيرًا من السيطرة على الموقف باستخدام البطانيات.
ولم تكن سنجل وحدها المستهدفة. خلال الأيام الماضية، تعرضت ست قرى فلسطينية على الأقل في الضفة الغربية لهجمات عنيفة من قِبل مجموعات من المستوطنين الإسرائيليين. قرى مثل ترمسعيا، عين سينيا، لوبان الشرقية، فندق، وجينصافوت شهدت أعمال شغب مروعة، حيث ألقى المهاجمون زجاجات مولوتوف وحجارة، وحطموا النوافذ وأشعلوا النيران في المنازل والسيارات، وفقًا لصحيفة “الجارديان” البريطانية.
دوافع العنف
ووفقًا لسكان القرى، جاءت هذه الهجمات كرد فعل انتقامي على إطلاق سراح 90 أسيرًا فلسطينيًا، معظمهم من النساء والأطفال، مقابل ثلاثة رهائن إسرائيليين كانوا محتجزين في غزة. كما أن هجوم فندق كان يُعتقد أنه انتقام لعمليات إطلاق نار فلسطينية وقعت قبل أسبوعين وأسفرت عن مقتل ثلاثة إسرائيليين.
وفي سنجل، وصل جيش الاحتلال الإسرائيلي بعد نحو 30 دقيقة من بدء الهجوم، لكنه اقتصر على الوقوف عند مدخل القرية دون التدخل الفعلي لوقف العنف. وفي فندق، قُتل مستوطن وأُصيب آخر بنيران يبدو أنها صدرت عن الشرطة أو الجيش الإسرائيلي، مما زاد من حدة التوتر.
رسائل التهديد
وفي مجموعة واتساب نشطة للمستوطنين، تم تداول رسائل تحريضية تدعو إلى مهاجمة القرى الفلسطينية التي يعود إليها الأسرى المحررون. إحدى الرسائل قالت : “وصل أول إرهابي محرر إلى قرية سنجل، قرية القتلة. هناك حصار على مدخل القرية، ويُطلب من الجميع القدوم للاحتجاج على هذا الظلم الفادح”.
لكن الواقع كان مختلفًا. الشخص الذي تم الإفراج عنه إلى سنجل كان محتجزًا في الاعتقال الإداري، وهي ممارسة تسمح بإبقاء الأفراد في السجن دون تهمة أو محاكمة لفترات قابلة للتجديد.
تأثيرات طويلة
بالنسبة للفلسطينيين، لا تقتصر آثار هذه الهجمات على الأضرار المادية فحسب، بل تمتد إلى الإرهاب النفسي الذي يتركه المستوطنون. رفيق تفيش (49 عامًا)، صاحب متجر في سنجل، فقد شاحنته التي أُحرقت بالكامل في الهجوم. قال: “سيارتي لم تفعل شيئًا في 7 أكتوبر. ليس لها علاقة بنا، لكنهم مجرد بلطجية. لا يحتاجون إلى عذر”.
محمد الفقها (46 عامًا)، الذي هرع لمساعدة والدته المسنة عندما حاصر المستوطنون منزلها، قال : “لا يمكننا حتى عبور الطريق إلى أشجار الزيتون الخاصة بنا الآن وإلا سيطلقون النار علينا. هذه أرضنا ومنازلنا، لكنهم يريدوننا أن نغادر إلى الأبد”.
دور المجتمع الدولي
في العام الماضي، بدأت بعض الدول الغربية بفرض عقوبات على أفراد متورطين في العنف الاستيطاني، بالإضافة إلى مصادر تمويل المستوطنات. ومع ذلك، ألغى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يومه الأول في منصبه العقوبات الأمريكية ضد المستوطنين، وهو قرار لاقى ترحيبًا من اليمين الإسرائيلي.
تشير إحصاءات منظمة “يش دين” لحقوق الإنسان إلى أن 1,701 تحقيق فقط فُتحت في حوادث عنف استيطاني بين عامي 2005 و2024، على الرغم من تكرار الهجمات بشكل يومي. ولم تؤد سوى 6.4 % من هذه التحقيقات إلى لائحة اتهام، و3 % فقط أدت إلى إدانات.
وفي ظل تصاعد العنف الاستيطاني وتراجع الجهود الدولية لمواجهته، يبقى السؤال: إلى متى سيستمر الفلسطينيون في تحمل هذا الإرهاب اليومي؟ وهل يمكن أن تتحول هذه المأساة إلى نقطة تحول في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؟
المصدر: سبق