مع اقتراب موعد انعقاد منتدى الاستثمار الرياضي في العاصمة الرياض بين 7 و9 أبريل، يفتح الحدث نافذة جديدة لفهم التحوّلات التي يشهدها القطاع الرياضي السعودي، ليس من منظور النشاط الترفيهي أو البطولات الكبرى، بل كأحد الروافد الصاعدة ضمن رؤية السعودية 2030 لبناء اقتصاد متنوع، ومجتمع أكثر تمكيناً، وسوق رياضي يحاكي أكبر التجارب العالمية. إن ما يجري في السعودية اليوم لا يتعلق بمظاهر المنافسة أو استضافة الفعاليات فحسب، بل بصياغة نموذج اقتصادي متكامل، تُصبح فيه الرياضة قطاعاً إنتاجياً فعلياً، لا يستنزف الميزانيات، بل يشارك في بنائها، ويعيد توزيع الفرص بين الأفراد والمؤسسات٠
من الترفيه إلى النموذج الاقتصادي
منذ إطلاق رؤية المملكة، اتُخذت سلسلة من الخطوات الجريئة التي غيّرت المشهد الرياضي من جذوره: خصخصة الأندية، إنشاء وزارة مستقلة للرياضة، دخول الصناديق السيادية في إدارة الأندية، استضافة أحداث دولية مرموقة، وتوسيع المشاركة المجتمعية عبر منصات رياضية وتنظيمية جديدة. كل ذلك شكّل البيئة التحتية لنمو الاستثمار، لكنه لم يكن كافياً بمفرده. فالتحول الجذري يتطلب أكثر من قرارات؛ يتطلب ثقافة جديدة، وإطاراً اقتصادياً يُحفز رأس المال المحلي والدولي، ويحوّل الرياضة إلى فرصة قائمة على الربح، والإبداع، والتأثير الاجتماعي.
الفرص والتحديات في مشهد الاستثمار الرياضي السعودي
تُظهر المملكة العربية السعودية اليوم طموحاً عالياً في أن تكون لاعباً رئيسياً في الاقتصاد الرياضي العالمي. الخصخصة بدأت، وصندوق الاستثمارات العامة بات شريكاً مباشراً في الأندية. الأحداث الكبرى تتوالى، من الفورمولا 1 إلى كأس العالم للأندية، والبنية التحتية في تطور مستمر. لكن رغم هذا الزخم، يظل الواقع بحاجة إلى توازن بين الطموح والتنفيذ. ما زالت بعض الأندية تعاني من ضعف في الحوكمة، وغياب المؤشرات المالية الدقيقة. السوق الاستثمارية الرياضية لا تزال وليدة، وبعض الشراكات ما زالت تبحث عن نماذج ربحية مستدامة. كما أن التنافس الإقليمي، خاصة في دول الخليج، يتطلب أن تُقدّم السعودية حوافز استثمارية استثنائية، من بيئة قانونية مرنة إلى تمويل إبداعي، وصولاً إلى صناعة رياضية رقمية متكاملة.
الرسالة الأعمق: الرياضة كوسيط للتنمية
الملف الرياضي في السعودية لم يعد مجرّد استضافة أحداث رياضية عالمية، بل تحوّل إلى إستراتيجية تأثير ناعم. الرياضة اليوم باتت وسيلة تواصل مع العالم، ورسالة سياسية وثقافية مدروسة، تعكس انفتاح المملكة وثقتها بنفسها، وتستثمر في قدراتها البشرية والطبيعية. ولهذا، فإن الاستثمار في القطاع لم يعد ترفاً، بل جزءاً من معادلة متكاملة: جودة الحياة، صحة المجتمع، تمكين الشباب، خلق الوظائف، وتنوع مصادر الدخل.
من الحضور إلى التأثير.. تثبيت النموذج
منتدى الاستثمار الرياضي، بما يضمه من جلسات تناقش التمويل الرياضي، الإعلام، التقنية، والتسويق، يأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث تُبنى المدن الرياضية الذكية، وتُصمم الملاعب على أسس مستدامة، وتُطلق الصناديق المتخصصة، في ظل منافسة إقليمية حادة. وما يميّز التجربة السعودية أنها لا تسعى لمجاراة السوق، بل لتأسيسه محلياً من الصفر، بما يتناسب مع خصوصية المجتمع، وإمكانات الاقتصاد، وسقف الرؤية. إن الرياضة السعودية اليوم لا تُروّج لنفسها فقط كلاعب جديد في السوق العالمية، بل تسعى لصياغة علاقة أكثر توازناً بين الجمهور والمال، بين القرار والسياسة الرياضية، بين الاستثمار والتنمية. وفي هذا المشهد، لا يُعد منتدى الاستثمار الرياضي سوى أحد مداخل هذا التحول، لا غايته. فحين تجتمع الجهات الحكومية، والمستثمرون، وقادة الأندية، وممثلو الإعلام، ومؤسسات التمويل على طاولة واحدة، فإنهم لا يخططون فقط لمستقبل رياضي، بل يُشاركون في رسم ملامح الاقتصاد القادم.
من الحدث إلى البناء
وبهذا المعنى، فإن المشهد الرياضي السعودي لم يعد يعيش حالة تجريب، بل مرحلة تثبيت للنموذج. والتحدي لم يعد في جذب الانتباه العالمي، بل في تحويل هذا الانتباه إلى استثمار، وتحويل الاستثمار إلى عائد، وتحويل العائد إلى قصة نجاح قابلة للتكرار. إنها لحظة انتقال من الاستعراض إلى التمكين… من الحدث إلى البناء… من الحضور إلى التأثير.
المصدر: سبق